Thursday, December 31, 2009

العمل الصالح


العمل الصالح  

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كلِّهِ بشيراً ونذيراً، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، أما بعد فيا عباد الله:
دأَبَ الناس أن يتخذوا من مظاهر الإقبال على المساجد مصلين راكعين ساجدين ومن مظاهر تزايد الحجيج المتجه إلى بيت الحرام دليلاً لهم على أن المسلمين لا يزالون بخير وأنهم ملتزمون بأوامر الله عز وجل مبتعدون عن نواهيه، ولكن البيان الإلهي يضعنا أمام مقياس آخر يا عباد الله فتعالوا نتأمل في هذا المقياس الذي نقرؤه في كتاب الله عز وجل، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}... سورة البقرة الآية 204.
{يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} مستشهداً بصلواته، بركوعه وسجوده، مستشهداًبتطوافه حول بيت الله العتيق لكن ذلك ليس دليلاً، يقول: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}، لماذا يا رب؟ يأتي الجواب {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}... سورة البقرة الآية 205، إذاً هذا هو المقياس، إصلاح المجتمع أو العكوف على إفساده.
وتأملوا يا عباد الله كيف يؤكد البيان الإلهي هذا المقياس عندما يقيد ربنا الإيمان دائماً، لا بصلاة وحج، ولكن بالعمل الصالح، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً}... سورة الكهف الآية 107، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ}... سورة النور الآية 55، هذا هو المقياس يا عباد الله.
ولست أعني بهذا أن الصلاة غير ذات جدوى ولكن الصلاة لابد لها من ثمرات والثمرات تكمن في رعاية إصلاح المجتمع والابتعاد عن إفساده، فإن لم تتحقق هذه الثمرات فصلاة هذا الإنسان ربما كانت مردودة.
وقد روى الطبراني من حديث عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً، تعالوا يا عباد الله نتخذ من هذا المقياس الذي رسمه لنا بيان الله سؤالاً عن واقعنا المعاش اليوم أهو يتجه صعداً إلى مرضاة الله عن طريق إصلاح المجتمع أم هو يرجع القهقرى بسبب عكوفنا على الفساد والإفساد فيه.
هل اختفت الرشوة من مجتمعاتنا الإسلامية؟ تلك الجريمة التي تسري ما بين الراشي والمرتشي، تلك الجريمة التي كادت أن تشل فاعلية القوانين والشرائع، إن كانت هذه الظاهرة قد اختفت أو تقلصت فلنعلم أن المسلمين بخير كما يقول بيان الله سبحانه وتعالى، هل أقلع التجار والبائعون عن الغش وأنواعه، وما أكثر أنواع الغش إن في السلعة ونوعها أو في الثمن والأكاذيب التي تحاك من حولها، وأنتم تعلمون التفاصيل التي لا داعي إلى ذكرها.
هل أقلع هؤلاء التجار والبائعون عن الغش وأنواعه وآثروا أن يكونوا في عملهم خداماً لمجتمعاتهم؟ إن كانوا قد أقلعوا عن ذلك أو تقلص ذلك من حياتهم فلنعلم أن المسلمين بخير وأنهم متجهون إن ببطء أو بسرعة إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى.
هل غدت المشافي العامة مظهراً بكل من فيها لخدمة المرضى ورعايتهم والسهر عليهم؟ هل أصبح الأطباء المناوبون يقضون لياليهم إلى جانب مرضاهم يؤنسونهم، يرعونهم، يخدمونهم؟ هل يعكف الممرضون والممرضات في هذه الليالي على هذا الواجب الأقدس أم إنهم يتخذون من لياليهم ساعة سمر، ساعة أنس وفكاهة ومالا أدري ما أقول؟ إن كانت هذه المشافي قد أقلعت عن هذا الذي أقوله لكم فلنعلم أن المسلمين بخير وأنهم متجهون إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى.
هل أقلع الفلاحون والمزارعون عن استنبات مزروعاتهم وثمارهم بواسطة السموم المهلكة التي تعرفون من أجل أن يجمل مرآها في أعين الناظرين وإن تحولت إلى سموم للآكلين؟ هل أقلع هؤلاء المزارعون عن هذه الأسمدة الكيميائية التي لا حاجة ولا ضرورة إليها إلا لمزيد من تحقيق الأطماع؟ إن كانوا قد أقلعوا عن ذلك فلنعلم أن المسلمين بخير وأنهم متجهون إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى.
هل أقلع تجار المداجن عن تغذية فراريجهم بالأغذية الهرمونية ابتغاء أن تضخم في أقرب وقت وأن يثَّاقل وزنها في الميزان من أجل أن ينال أصحابها مزيداً من الأرباح وإن تحولت في جسوم الآكلين إلى أمراض خبيثة ووبيلة؟ هل أقلع هؤلاء عن هذا الذي أقوله لكم؟ إن كانوا قد فعلوا ذلك فالمسلمون ولله الحمد ما يزالون بخير.
الموظفون والمسئولون على اختلاف مراتبهم هل أقلعوا عن أن يجعلوا من وظائفهم مطايا لمصالحهم الشخصية وعادوا فعاهدوا الله عز وجل على أن يجعلوا من أنفسهم مطايا لمصلحة الأمة؟ إن كانوا قد عاهدوا الله على ذلك فالمسلمون بخير.
عباد الله لعلكم تعلمون أن أكياساً كبيرة من الشحوم تُملئ في فصل الربيع من كل عام لتملأ بها شاحنات ويُتَّجَه بها إلى البادية من أجل أن تمزج بأول غذاء أكرم الله عز وجل به الإنسان ألا وهو غذاء السمن الطبيعي، لئن كان تجار البادية أقلعوا عن هذا رحمة بإخوانهم من خلال الخوف من الله عز وجل فلنعلم أن المسلمين بخير وأنهم متجهون إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، فما الجواب عن هذه الأسئلة يا عباد الله؟
الواقع هو الذي يجيب، وإني لأرجوا الله سبحانه وتعالى أن يصلح واقعنا، الصلاة وحدها ستار يستر هذا السوء وليس هو الذي يقرب إلى الله، العمل الصالح، هذا ما يقرره بيان الله سبحانه وتعالى، وكأني بكم يا عباد الله تسألون سؤال الإنسان المؤمن الحائر: كيف السبيل إلى أن نُخرِج حب الدنيا من قلوبنا، وحب الدنيا هو السبب لكل هذه المفاسد التي قد نتورط فيها؟
السبيل سبيل قصير سهل وهو أن تمتن وأن تزيد من حب الله عز وجل بين جوانحك، ولكن كيف السبيل إلى أن تزداد حباً لله؟ سبيل ذلك أن تربط النعمة بالمنعم، افعل ذلك تعشق ربك، إذا أويت في المساء إلى فراشك فاذكر أن الذي يكرمك بنعمة الرقاد ربك واحمد الله على ذلك، فإذا استيقظت بعد ساعات ورأيت نفسك قد تنشطت من عقال اذكر الإله الذي أيقظك بعد نوم وأحياك بعد موت.
إذا دخلت الحمام فاذكر أن هذه النعمة التي أسداها الله إليك إذ حرَّرَك من سمومك أتتك من عند الله سبحانه وتعالى واشكر مولاك على ذلك، إذا خرجت تغسل يديك بالماء النمير اذكر الإله الذي أكرمك بهذا الماء الطهور الطاهر المطهر.
وهكذا اربط نعم الله عز وجل بالمنعم تعشق المنعم وعندئذٍ تتجه إلى أن تضحي بدنياك في سبيل من تحب بعد أن كنت تضحي بأوامر الله عز وجل وأحكامه في سبيل دنياك، ومن أخص النعم التي ينبغي أن لا ننساها يا عباد الله أن الله سبحانه وتعالى أكرم هذه الأمة بجلاء المستعمر عنها، ولست أذكر جلاء المستعمر الصوري كما يقول بعض الناس ولكني أحب أن تتذكروا أن الله عز وجل أكرمنا بجلاء المستعمر عن أرضنا وبجلاء سلطانه عن نفوسنا، هما مرضان اثنان، مرض الاستعمار المعروف التقليدي ومرض قابلية الاستعمار.
كثيرة هي المجتمعات التي ولىّ الاستعمار عنها في الظاهر فلم يعد للاستعمار يد على أرض ولا على ثروة أو ممتلكات ولكن قابلية الاستعمار جعلتها لا تزال تعاني من هذه الأمراض، تأتيها الأوامر من وراء البحار، تأتيها المطالب من أقصى بلاد الغرب ينبغي تطبيق ذلك وينبغي تحقيق ذلك، أما نحن فقد أكرمنا الله عز وجل إلى جانب الجلاء التقليدي من الأرض جلاء المستعمر من النفوس، أحسب، وأرجوا ألا أكون مخطئاً، أن أمتنا قد حررها الله عز وجل من قابلية الاستعمار، والدليل على ذلك أننا ما زلنا نرفع الرأس عالياً، تأتينا الأوامر فنلقيها وراءنا ظهريا، يأتينا التحذير تلو التحذير فنلقي التحذير من وراء ذلك ظهريا.
انظروا وقارنوا بين هذه النعمة التي أسداها الله عز وجل إلينا وبين واقع مجتمعات أخرى، لكنني أريد أن أقول: من أين جاءت هذه النعمة؟ لا تتصورا أنها جاءت بحيلة عقل ولا بقوة إنسان، الوسائل موجودة والأسباب لا تُنْكَر، ولكن الله الذي خلق الأسباب هو الذي أكرمنا بهذه النعمة فيا عباد الله اربطوا نعم الله عز وجل بالمنعم، اربطوا هذه النعم بمصدرها، عودوا بعد ذلك إلى قلوبكم تجدون أن هذه القلوب غدت أوعية لحب واحد لا ثانيَ له ألا وهو الله.
فيم يخدع التجار إخوانهم، فيم يغش المزارعون إخوانهم وأصحابهم، لماذا يكون هذا كله؟ من أجل الدنيا؟ الدنيا، إذا هيمنت محبة الله على القلب، خرجت وأصبحت عبارة عن قمامة تداس على الأرض، اللهم اجعل قلوبنا أوعية لحبك، الله وفقنا لأن نربط نعمك بك، أنت المنعم، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ}، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}... سورة النحل الآية 53 أقول قولي هذا وأستغفر الله،
المصدر: موقع د. محمد سعيد البوطى


المقالة منقولة من هنا : http://www.masrawy.com/Islameyat/Articles/el3amil.aspx




0 comments: